السيد الطباطبائي

320

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

إلّا في قضايا نسبها حقيقية يعطي عليها البرهان . والثاني يكون فيها وفي غيرها ، كالمشهورات والمسلّمات ، فقد فرغ عن هذا في كتابي البرهان والجدل ، وأوّل ما يجب على المحتجّ أن ينظر في المطلوب ، ويعتبر حاله هل هو قضيّة حقيقيّة النسبة أو مشهوريّتها واعتباريّتها ، وذلك بالنظر في حدّ ما من حدّيها ، والنسبة وكيفيّتها هل الحدّ له حقيقيّة ، وهل كيفيّة النسبة كيفيّة حقيقيّة كالضرورة والإمكان ، وذلك بأن يأخذ شيئا لا يحمل أو لا يوضع عليه بوسط فيعتبر أنّه هل هو بديهي الحمل أو الوضع أو لا ، إذ قد تبيّن أنّ كلّ قضيّة نظريّة تحتمل أوساطا تصير بها قضايا أوّليّة أو غيرها من أصول البديهيّات . فعند كلّ قضيّة نظريّة قضيّتان بديهيّتان على الأقل ، والقضيّة البديهيّة لا تكون اعتباريّة ولا مشهورة فقط . وأمّا اعتبار أنّه بديهي فذكر الشيخ ما يقرب لفظه من أنّه اعتبر وجعل نفسه كأنّه حصل في العالم دفعة ، وهو مميّز ، ولم يعود شيئا ، ولم يؤدّب ولم يلتفت إلى حاكم غير العقل ، ولم ينفعل عن الحياء والخجل ، فيكون حكمه خلقيّا لا عقليّا ، ولم ينظر إلى موجب مصلحة ، فيكون بوسط لا بضرورة ، وأعرض عن الاستقراء أيضا ، فيكون بوسط لم يلتفت إلى أنّه هل ينتقض عليه شيء ، وإذا فعل هذا كلّه وأمكنه وأن يشكّك نفسه فيه لم يمكنه » « 1 » ، انتهى . وقريب منه ما قاله أبو نصر في وصيّة في كتاب البرهان « 2 » ، والذي ذكراه إنّما هو في الحكم الأوّلي ، ويظهر منه حال سائر الضروريّات . وبالجملة ، فإذا عمل هذا العمل أمكنه أن يميّز القضيّة الحقيقيّة النسبة من غيرها ، ثمّ يشتغل بتركيب الحجّة عليها على السبيل الذي نحن شارحوه إن شاء اللّه .

--> ( 1 ) الشفاء ، البرهان : 65 ، المقالة الأولى ، الفصل الرابع . ( 2 ) المنطقيات للفارابي ، البرهان : 1 : 339 و 340 ، الفصل الخامس .